سعيد عطية علي مطاوع
251
الاعجاز القصصي في القرآن
تكوين المقصود ، تصويرا لاقتداره تعالي ، وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته كأنها عقلاء مميزون ، قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره ، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ، ثم بني علي تشبيهه هذا نظم الكلام ، فقال تعالي : ( قيل ) . علي سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل . وجعل قرينة المجاز خطاب الجماد ، وهو ( يا أرض ) ، و ( يا سماء ) ، مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة ، للشبه المذكور ، ثم استعار لغور الماء في الأرض بالبلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم ، بجامع الذهاب إلي مقر خفي ، واستتبع ذلك تشبيه الماء بالغذاء علي طريق الاستعارة بالكناية ، لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزرع والأشجار ، وجعل قرينة الاستعارة لفظ ( ابلعي ) ، لكونه موضوعا للاستعمال في الغذاء دون الماء ، ثم أمر علي سبيل الاستعارة ، للشبه المقدم ذكره ، ثم قال : ماءك ، بإضافة الماء إلي الأرض علي سبيل المجاز ، تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك ، واستعار لحبس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل ، للشبه بينهما في عدم ما كان ، وخاطب في الأمرين أي قال : ابلعي ، وأقلعي ، ترشيحا للاستعارة : ( أي استعارة النداء في ( يا أرض ) و ( يا سماء ) ، ثم قال : غيض الماء ، وقضي الأمر ، واستوت علي الجودي ، وقيل : بعدا للقوم الظالمين ، فلم يصرّح بالغائض ، والقاضي ، والمسوّي ، والقائل ، كما لم يصرح بقائل ( يا أرض ) و ( يا سماء ) سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية عن تلك الأمور العظام إلا يتأتى إلا من ذي قدرة لا تكتنى ، قهّار لا يغالب ، فلا مجال لذهاب الوهم إلي أن يكون الفاعل لشيء من ذلك غيره ، ثم ختم الكلام بالتعريض لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم حتى إظهار لمكان السخط ، ولجهة استحقاقهم إياه . وإما النظر فيها من حيث علم المعاني ، وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها ، وجهة كل تقديم وتأخير بين جملها ، فذلك : أنه اختير ( يا ) دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر استعمالا ، ولدلالتها علي بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة ، ويؤذن بالتهاون به ، ولم يقل : ( يا أرض ) بالكسر ، تجنبا لإضافة التشريف ، تأكيدا للتهاون ، ولم يقل : ( يا أيتها الأرض ) للاختصار ، مع الاحتراز عما في ( أيتها ) ، من تكلف